علي بن محمد البغدادي الماوردي
17
أدب الدنيا والدين
لا تذهبن في الأمور فرطا « 1 » * لا تسألن إن سألت شططا « 2 » وكن من الناس جميعا وسطا قالوا : لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم وصاحبه ملوم وقد أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أبا موسى « 3 » الأشعري أن يعزل زيادا عن ولايته فقال زياد : يا أمير المؤمنين أعن موجدة « 4 » أو خيانة فقال لا عن واحدة منهما ولكن خفت أن أحمل على الناس فضل عقلك . ولأجل هذا المحكي عن عمر ما قيل قديما إفراط العقل مضر بالجسد وقال بعض الحكماء : كفاك من عقلك ما دلك على سبيل رشدك . وقال بعض البلغاء : قليل يكفي خير من كثير يطغى « 5 » . وقال آخرون وهو أصح القولين : زيادة العقل فضيلة لأن المكتسب غير محدود وانما تكون زيادة الفضائل المحدودة نقصا مذموما لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة كالشجاع إذا زاد على حدّ الشجاعة « 6 » نسب إلى التهوّر « 7 » والسخيّ إذا زاد على حدّ السخاء « 8 » نسب إلى التبذير « 9 » ولبس كذلك حال العقل المكتسب لأن
--> ( 1 ) فرطا : بفتحتين يستوي فيه المفرد والجمع ، المتقدم السابعة وبضمتين الأمر المجاوز فيه حده ، ومنه قوله تعالى « وكان أمره فرطا » . ( 2 ) شططا : الشطط : مجاوزة الحد ، والتباعد عن الحق ، كمن يسأل للإعنات والتبكيت . ( 3 ) أبو موسى الأشعري : هو عبد اللّه بن قيس الأشعري الصحابي الكبير ، استعمله رسول اللّه على زبيد ، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة ، له ثلاثمائة وستون حديثا . روى عنه أنس ابن مالك ، وخلق من التابعين . مات بمكة أو بالكوفة سنة ( 45 ) عن 63 سنة . رضي اللّه عنه . ( 4 ) موجدة : بفتح الميم وكسر الجيم : غضب . ( 5 ) يطغى : الطغيان مجاوزة الحد . ( 6 ) الشجاعة : هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن ، بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها كالقتال مع الكفار ، ما لم يزيدوا على ضعف المسلمين . ( 7 ) التهور : هيئة حاصلة للقوة الغضبية بها يقدم على أمور ، لا ينبغي أن يقدم عليها كالقتال مع الكفار إذا كانوا زائدين على ضعف المسلمين . ( 8 ) السخاء : بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة ، وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة . ( 9 ) التبذير : هو الجهل بمواقع الحقوق .